مورغان: “فلسطين هي المحطة الأولى التي تمنحني القوة، ووجودي هنا دعماً للحق”

رام الله- شبكة فلسطين الرياضية

كتبت: دينا سلامين

الجمعة،  22 من شهر مارس لعام 2019، عند الساعة السادسة صباحاً، بدأ العد التنازلي لانطلاق ماراثون فلسطين الدولي السابع، كنت أجوب في ساحة كنيسة المهد الواقعة في مدينة بيت لحم، التي ينطلق من أمامها العدائين المشاركين في الركض لمسافة 42 كم، باتجاه شارع المهد، وجامع بلال بن رباح، مروراً بمنطقة الجدار الفاصل، ومنطقة المفتاح في مخيم عايدة شمال بيت لحم، ومن ثم السير في الشارع الرئيسي (القدس-الخليل)، ومنطقة البالوع في بلدة الخضر، ومنطقة النشاش على المدخل الجنوبي للخضر، ليعودوا الى نقطة البداية.

بعد انطلاق عدائي المسار الأول، والذين يبلغ عددهم حوالي 300، بقيت ساحة المهد تضج بالفعاليات التي أقيمت لتحميس المشتركين، وخلق جو من التسلية والمرح، كان هناك المهرج، وبعض الرسامين، كما أقيمت ألعاب ومسابقات، وبعض العروض الموسيقية والترفيهية، وبعض العدائين الذين يستعدون لانطلاق الماراثون الخاص بمسافة 21 كم، والمسارات الأخرى.

كنت أراقب حركة الأطفال، وحماس الكبار، صوت الموسيقى كان عالياً، وحرارة الشمس مناسبة، وقفت في منتصف ساحة المهد ووجهت نظري نحو شاشة كبيرة وضعت على مبنى مركز السلام التابع للساحة، تعرض فيديو للعدائين على طول المسار، رجل ذو شعر طويل، يضع على رأسه منديلاً أزرقاً، طويل القامة، أشقر الملامح، ابتسامته وذراعه المبتورة، دفعاني لانتظاره ما يقارب الساعتين لحين انتهاءه من المسار وعودته لنقطة البداية.

وقفت الى جانب رجال الأمن عند نقطة عودة العدائين، أسندت رأسي وجسدي على فاصل حديدي كان ينظم طريق عودتهم.

بعد ساعتين من الانتظار رأيته منهكاً، يتسرب العرق من جبينه، مشيته لم تكن متزنة تماماً، وقع نظري على احدى قدميه التي رسم عليها خط وحيد كتلك الموجودة على ذراعه المبتورة.

اقتربت ومنه وألقيت عليه التحية، رد بنفس الابتسامة التي رأيتها مسبقاً، عرفته على نفسي، كنت متشوقة جداً لمعرفة سبب مشاركته على الرغم من اصاباته الواضحة والتي لا تخدمه للفوز أو حتى الوصول في وقت منافس لنقطة النهاية، وصوله استغرق وقتاً كبيراً.

 أخبرته بأني أود إجراء حواراً صحفياً معه حول وجوده في فلسطين ومشاركته في الماراثون، رحب بي، ثم جلسنا على طاولة احدى المقاهي التي تلتف حول ساحة المهد.

بدأت الحديث معه بتعريفه على نفسي وماذا أعمل، ثم عرفني بنفسه، مورغان برو، 33 عاماً، من المملكة المتحدة، بداية جاء لفلسطين أول مرة قبل 6 سنوات، للتعرف على البلد، ومعرفة الأوضاع السياسية عن قرب، بعيداً عن وسائل الاعلام في الولايات المتحدة التي تسرد الأحداث بتحيز واضح.

“كنت أعلم أن ما تبثه وسائل الإعلام ليس كافياً، وما رأيته هنا عكس ما يقال، ومشاركتي في ماراثون فلسطين هو من أجل التضامن مع الشعب الفلسطيني”.

شارك مورغان لأول مرة في ماراثون فلسطين الثالث، ثم كرر مشاركته على مدار السنوات التابعة له، أخبرني عن أصدقاءه الفلسطينيين الذين التقى بهم في الماراثون، استطاع من خلالهم التعرف على الأوضاع السياسية التي تجري بفلسطين من وجهة نظر أخرى، غير تلك التي تبثها وسائل الاعلام الأجنبية، ومعرفة المزيد عن طريقة الحياة والصراعات التي يواجهها الناس تحت الاحتلال.

“أنا محظوظ لخروجي من فلسطين دائماً وأنا أحمل العديد من التجارب المثيرة، والقصص التي تهمني وتعطيني الأمل”.

صيف 2017، تعرض مورغان لحادث أفقده ذراعه في أحد مواقع البناء، فسقط على منشار كان يستخدمه العاملين في البناء لقطع الإسمنت، دخل على اثرها المشفى لمدة 6 أشهر، حاول خلالها الأطباء انقاذ يده و اعادتها عن طريق أخذ الأوتار والأعصاب من كاحله، الا أن كل المحاولات باءت بالفشل، فبترت ذراعه في أكتوبر 2018، وفقد على اثرها اتزانه اثناء المشي.

 ” شعرت أني في نكسة، لكن عليك أن تحسب نعمك، وأنا ممتن أني ما زلت على قيد الحياة، ووجودي كل سنة في فلسطين يلهمني أكثر، فبعد أن ترى ما يعانيه غيرك من ظلم و قهر، و ما يحدث في فلسطين ومرونة وتفاؤل الشعب يساعدك في التغلب على المصاعب التي تتعرض لها”.

“كما عليك أن تحسب الانتصارات الصغيرة”، هكذا اعتبر مورغان قدومه لفلسطين بمثابة الانتصار لنفسه وذاته و تضامناً مع آلام الشعب و وقوفه في وجه الظلم، بعد أن عدل عن قرار مشاركته في نصف ماراثون ليكون في مسار الماراثون الكامل، قوة الشعب في تخطيه الحواجز الإسرائيلية يومياً، و تفاؤله في صباح كل يوم، قوة تجبرك على أن ما أصابك ليس بشيء وعليك أن تكمل طريقك من حيث انتهت.

“فلسطين هي المحطة الأولى التي تمنحني القوة، ووجودي هنا دعماً للحق”

انضم مورغان لمؤسسة تدعى “آموس ترست”، هي مؤسسة خيرية مقرها في المملكة المتحدة، تدير رحلات ومشاريع في فلسطين، وتساعد في بناء المنازل في المخيمات والقرى، بالإضافة الى أنها تساهم في بعث مجموعات للمشاركة في ماراثون فلسطين ويكون هدفها الأول نشر رسالة الشعب والسماح للعالم بفهم الواقع الفلسطيني، ” هناك مجموعة من الأشخاص الذين يهتمون في تحسين حياة الفلسطينيين و توفير فرص حياة أفضل لهم”.

ماراثون فلسطين يعتبر تحدي شخصي بالنسبة لي، وآمل أن ألهم الآخرين ليكونوا نشيطين ويعيشون بصحة أفضل ويسعون جاهدين لتحسين أنفسهم”، كما قال مورغان إن العظيم في الماراثون هو روحه التي تجعلك تشعر بأنك تواجه المصاعب الى جانب العديد من الأشخاص وتحصل من خلاله على العزاء والقوة من التجربة المشتركة.

أنهى مورغان حديثه معي معبراً عن حبه لفلسطين وما يراه في هذه البلد من تحديات تدفع الآخرين لأن يجابهوا الحياة بقوة أعنف، ” سأكون هنا في الماراثون الثامن من أجل الحرية” … وأكد مارغون لفلسطين ان “الحب والسلام وحدهم من يبقوا في النهاية”.

 

 

 

قد يعجبك ايضا