خاص PSN: الطريق إلى الجنة

رام الله -شبكة فلسطين الرياضية- كتبت: أمل جحجوح
أثناء زيارتي لمقبرة الشهداء في مخيم قلنديا، برفقة زملائي من المجلس الأعلى للشباب والرياضة، لتغطية فعالية يوم الشهي.د الفلسطيني، كان هنالك الكثير من القصص التي تروى عن مأساة الفقد، ومشاعر الحزن التي تظهر على ملامح أهالي الشهداء قبل أفواههم، كما كان لي نصيب من ذلك أنا أيضا، أن أروي حادثة أخي الشهيد يونس جحجوح، رحمه الله…
استفقت على أثر الضجيج، الذي خلفته قوات الاحتلال الاسرائيلي في مخيم قلنديا، الاثنين، الموافق ٢٦.٨.٢٠١٣، كانت الساعة ما يقارب السابعة صباحا، رائحة الغاز الذي أطلقته الاحتلال خلال المواجهات لا زال منبعثا، وأصوات الشبان تعالت، تساؤلات البقية ممن سرقهم النوم فجرا عما حدث، تفاصيل لا زالت مبهمة، وصلت النافذة مسرعة، فتحتها بقوة، أمي في الخارج بملامح ضائعة، صرخت بخوف، أمي ما الذي حدث، أجابت بصوت يترجف، “ما تخافيش يما بحكوا يونس اتصاوب في كتفو” توقف قلبي عن النبض لحظة، وانتابني الصمت، بحثت عن أحدهم بالبيت لاحادثه، وتفقدت هاتفي المحمول، أبي أين أبي… هرعت لطلبه على الهاتف، رن الهاتف طويلا، تبعه صوت والدي اخر لحظة قبل أن يتوقف على الزن في أذني، “الو” قاطعته أبي كيف يونس أخبرني الحقيقة، “الوضع ما بطمن بالمرة” أغلقت الهاتف وركضت مسرعة إلى أمي.. ناديتها لكنها لم تعد مكانها، أخبرني الجميع أن فرصة الوصول الي بوابة قلنديا الرئيسية مستحيلة، إلا مشيا على الاقدام، كانت أمي قد بدأت رحلة لقاء يونس قبلنا…
في الواقع تماما، أنني تأخرت ايضا على لقائه.. أسرعت في تبديل ملابسي والخروج، كان الدمار الذي خلفه جنود الاحتلال في حارات المخيم مريبا، ويدعو للقلق، وصلت موقف السيارات، وخلال رحلتي إلى مجمع فلسطين الطبي، لم أتوقف عن البكاء، كنت أعلم أنني لن أراه مجددا إلا في وداعه الأخير، صعدت درجات المشفى الأولى، وقبل أن أصل البوابة الرئيسية، تعيديني ملامح أمي وأخي، بكلمة واحدة، أوقفت ساعة الزمن للحظات، وأنهت الحكاية، يونس استشهد……
رصاصة واحدة، فتكت بجسد يونس الرياضي، كسرت أضلعه، وهتكت جزء من رئتيه، والكلية، والكبد، وحجابه الحاجز، صعدت روحه إلى السماء، بعد أن أفقده النزيف قدرته على الاستيقاظ ثانية.
يونس إبن ٢٢ ربيعا، طالب إعلام في جامعة القدس، وأسير سابق لدى الاحتلال الاسرائيلي، لم يتسنى له الحصول على درجة البكالوريوس، في التخصص الذي أحبه، الصحافة والاعلام، فقد حرمه الأسر ذلك، بعد أن أمضى فصلا دراسيا يتيما في الجامعة، حكم بالأسر ثلاث سنوات ونصف، أطلق سراحه في صفقة شاليط، ليعود التسجيل مرة اخرى بالجامعة، هذه المرة كان الوقت أسرع منه، وأقوى من تحقيق طموحاته وأحلامه، عام واحد بعد الافراج عنه، ليكرمه الله بالشهادة…
اوسطنا يونس، الثالث في الترتيب بين خمسة أخوة، وإن أقرب الوصف له، فهو الأذكى والأفضل بيننا، صاحب القول والفعل، يقول يونس يوما لوالدتي، بعد عتاب طويل دار بينهما على اقدامه الدائم في مواجهة الاحتلال “أنا لو آخر يوم في عمري ولو اتزوجت وصار عندي ولاد راح اخدهم وأنزل أضرب حجار”
تصب اهتماماته في قراءة الكتب، مثقف جدا، ومتحدث لبق ومرتجل، رياضي من الدرجة الأولى، يكره الوزن الزائد، والحديث الكثير، والناس الثرثارة، كان يفضل الجلوس وحيدا بين جهاز حاسوبه، وأفكاره التي لا تنتهي ، والتي بت أجزم، أن النوم أيضا لم ينجح في ايقافه عن التفكير…
كان يونس شجاعا جدا، يواجه الموت عشرات المرات، ففي كل مرة تعتلي أصوات القنابل والمواجهات مع قوات الاحتلال، يكون من أوائل من يتصدى الهجوم، أدركت بعدها ان خروج الشبان للمواجهات ليس عبثيا، فكل واحد منهم يخرج متيقنا أن فرصة عودته للبيت ربما تكون معدومة، كنت اتسائل، أي ميثاق مع الله يصنعون…
لم أضمر يوما أن يكون أخي بطلا لقصة أكتبها، هو الذي عاش بين الكلمات صانعا لها، نعم هو صاحب قضية، وفكر ومبدأ، كانت جلية بأن تجعل منه صحفيا شهيدا…
لم يقدر الوطن على حمل يونس فوق أرضه، فخبأته في جوفها، كان يرفض تماما أن يحرمه جنديا اسرائيليا، يحمل سلاحا أكبر منه، من دخول القدس، سبق وأن حدثني خلال أسره وفي أول زيارة لي له في سجن النقب، كان اول ما نطقه “شفتي الأراضي تاعتنا الي اخدها الاحتلال وانتي جاي بالباص، شفتي قديش بلدنا فلسطين حلوة وقديش أحنا محرومين”
وثق يونس اسمه كشهيد على جدران المخيم، فمنذ الطفولة يكتب على كل جدار يمر به، الشهيد يونس جحجوح، يصدقون القول حينما يذكرون، أنك مشروع شهيد…
يونس دائم الانشغال بنفسه، صديق حقيقي حين الحاجة له، لكن قل ما كان يشاركنا الحياة، كان رمضان من عام ٢٠١٣ آخر أيام يقضيها برفقتنا كعائلة…
حظيت بأقصر موعد معه، غروب أخر ليلة آراه بها، وكان هذا هو اللقاء الأخير بيننا، تناول الطعام الذي اعددته، لو أنني علمت أن هذا اللقاء سيكون الأخير، لحضنته مطولا، لو كنت أعلم أن غيابه سيكون أبديا، لاستيقظت فجرا ألملم آخر ذكرياتي معه، قال لي مودعا “شكرا على الأكل” ثم غاب ولم يعد….
سنوات مرت على فراقك أخي، لم أقدر يوما طول مسافة الاشتياق بيننا، وهي بذات الوقت قصيرة، فأنت جار لنا، بضع أمتار قليلة عن البيت، وقبرك يزين مقبرة الشهداء، فكلما هوى قلبي اشتياقا، أسرعت اليك بأحاديثي التي لا تنتهي…
لا الفراق يبعدنا ولا رصاصات غدرهم، فأنت تشبه خارطة الوطن أينما حللت وجدناك، كما كنت تقول “الي في القدس بلاطة وانا بدافع عنها وبطبش حجار عشانها ولو ضلت أخر بلاطة لا راح ابيع ولا اتنازل عن حقي فيها”
نحن أصحاب حق في هذه الأرض، ولا بد للحق أن يعود لأهله…

قد يعجبك ايضا